أحمد بن علي الطبرسي

326

الاحتجاج

من هذا ، إنه لين الله له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا ، ( 1 ) ولقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين ، ( 2 ) وقد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته . قال له اليهودي : هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه قال له علي عليه السلام : لقد كان كذلك ، ومحمد صلى الله عليه وآله أعطي ما هو أفضل من هذا ، إنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أريز كأريز المرجل على الأثافي من شدة البكاء ، ( 3 ) وقد آمنه الله عز وجل من عقابه ، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه فيكون إماما لمن اقتدى به ، ولقد قام صلى الله عليه وآله عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه ، يقوم الليل أجمع ، حتى عوتب في ذلك فقال الله عز وجل : " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " ( 4 ) بل لتسعد به ، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه ، فقيل له : يا رسول الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : بلى أفلا أكون عبدا شكورا ؟ ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل بمحمد صلى الله عليه وآله ما هو أفضل من هذا : إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له : " قر فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق شهيد " فقر الجبل مطيعا لأمره ومنتهيا إلى طاعته ، ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : " ما يبكيك يا جبل ؟ فقال : يا رسول الله كان المسيح مر بي وهو يخوف الناس من نار وقودها الناس والحجارة ، وأنا أخاف أن أكون من تلك الحجارة ، قال له : " لا تخف تلك الحجارة الكبريت " فقر الجبل وسكن وهدأ وأجاب لقوله صلى الله عليه وآله .

--> ( 1 ) يظهر من هذا الكلام أن الغار أحدث لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن من قبل . ( 2 ) وذلك ليلة المعراج . ( 3 ) الأريز : هو أن يجيش جوفه ويغلي بالبكاء . والمرجل - كمنبر - : القدر . والأثافي : الأحجار التي يوضع عليها القدر . ( 4 ) طه - 1 .